في القراءة المتأنية لمحضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي (27-28 يناير)، نجد أنفسنا أمام مشهد درامي يتجاوز مجرد أرقام ونسب مئوية. نحن أمام “مخاض” حقيقي يعيشه صناع القرار المالي في واشنطن، حيث يبدو الإجماع على تثبيت الفائدة أشبه بـ “هدنة مؤقتة” لا تخفي حجم الانقسام العميق حول الخطوات اللاحقة.
لقد اتفق الجميع تقريباً على التريث، وهي رغبة منطقية لتقييم أثر التخفيضات السابقة التي بلغت 75 نقطة أساس. ولكن، خلف هذا الهدوء الظاهري، تشتعل معركة فكرية ونقدية؛ فبينما يلوح “الصقور” بورقة رفع تكاليف الاقتراض كحل أخير إذا ما استمر التضخم في عناده، يقف “الحمائم” على الضفة الأخرى منقسمين حول توقيت وجدوى المزيد من التيسير النقدي.
إن ما نلمسه في هذا المحضر هو حالة من “الارتباك المنظم”. فالاقتصاد الأميركي اليوم يقف في منطقة رمادية، فلا هو تعافى تماماً من ضغوط الأسعار، ولا هو بمنأى عن تبعات التشديد النقدي. ورغم أن صوتين فقط ارتفعا للمطالبة بخفض فوري، إلا أن وجودهما يمثل شرارة قد تتحول إلى تيار جارف في الاجتماعات القادمة إذا ما بدأت مؤشرات النمو في التآكل.
الحقيقة التي يجب أن ندركها، هي أن الفيدرالي لم يعد يقود الأسواق بقدر ما يحاول اللحاق بها. إن سياسة “الانتظار والترقب” التي أجمع عليها المسؤولون ليست دليلاً على الثقة، بقدر ما هي اعتراف بصعوبة التنبؤ بمسار التضخم في عالم يعج بالمتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية.
نحن أمام مرحلة “جس نبض” طويلة، ستبقى فيها الأسواق رهينة لتصريحات متضاربة تعكس انقساماً لن يحسمه إلا بيانات التضخم القادمة، والتي ستكون هي الفيصل الوحيد في تحديد من سيربح معركة “الفائدة” في نهاية المطاف.