زلزال الرسوم الجمركية: حين تتحول “العدالة” إلى ضبابية اقتصادية
بقلم: عبد الرحمن سامح
في قاعات المحكمة العليا الأميركية، كُتب فصل جديد من فصول الصراع بين السلطة القضائية والتوجهات الحمائية للبيت الأبيض. لكن، وخلافاً لما قد يعتقده البعض، لم يكن قرار إلغاء الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب مصدر ارتياح للأسواق، بل كان بمثابة “صدمة منظمة” أعادت خلط الأوراق وزادت من منسوب الضبابية حول مستقبل التجارة العالمية ومصير الدولار.
فجوة المليارات والارتباك المالي
الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في إلغاء الرسوم، بل في “الفراغ” الذي تركه القرار. فالمحكمة، بتجنبها البت في ملف رد المبالغ المحصلة، تركت الاقتصاد الأميركي يواجه شبح عجز ضخم يقدر بنحو 170 مليار دولار في المالية العامة. هذا الرقم ليس مجرد خانة في ميزانية، بل هو لغم موقوت يهدد استقرار الديون السيادية الأميركية ويضع وزارة الخزانة في موقف لا تحسد عليه.
أوروبا في مهب “الغضب” البديل
لم يتأخر رد فعل الرئيس ترامب، حيث جاء اندفاعه الغاضب لفرض رسوم بديلة كصدمة كهربائية في القارة العجوز. أوروبا، التي كانت تحاول التقاط أنفاسها، وجدت نفسها أمام حالة جديدة من الارتباك التجاري. هذا التصعيد يعزز القناعة بأن السياسة التجارية الأميركية باتت تُدار بردود الفعل اللحظية، مما يقوض الثقة في استقرار النظام المالي العالمي.
الدولار والسندات.. هروب نحو الملاذات
انعكست هذه الدراما السياسية فوراً على شاشات التداول اللحظية:
تراجع الدولار: شهدت التعاملات الآسيوية هبوطاً واضحاً للعملة الخضراء، خاصة أمام “الملاذات الآمنة” كالفرنك السويسري والين الياباني.
تعثر السندات: عانت سندات الخزانة الأميركية من ضغوط بيعية، حيث يحاول المستثمرون استيعاب المخاطر المالية الجديدة وآثارها التضخمية المحتملة.
ميزان القوى الجديد
رغم أن الرسوم البديلة التي طرحها ترامب قد تبدو أقل وطأة وقد تخفف ضغوط الأسعار على المدى القصير، إلا أن الجوهر أعمق من ذلك بكثير. لقد نجحت المحكمة العليا في تقييد صلاحيات الرئيس، وهذا التقييد بحد ذاته يمثل متغيراً سياسياً ذا عواقب اقتصادية غير متوقعة.
نحن اليوم أمام مشهد يسير فيه الاقتصاد على حبل مشدود؛ بين رئيس يحاول فرض رؤيته التجارية بـ “القوة”، ومحكمة ترسم حدوداً جديدة للسلطة، وأسواق تائهة تبحث عن يقين مفقود في زمن الصراعات التجارية الكبرى.